نص كلمة: الزهراء عليها السلام مدرسة الفكر والتطبيق الرسالي

نص كلمة: الزهراء عليها السلام مدرسة الفكر والتطبيق الرسالي

عدد الزوار: 1327

2020-02-29

كلمة في مسجد العباس بالمطيرفي ليلة الثلاثاء 1441/6/2هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على اشرف المرسلين حبيب اله العالمين ابي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أعداء الدين

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾[1]

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح واجعل نيتنا خالصة لوجهك الكريم يا رب العالمين

اعظم الله اجورنا واجوركم في سيدتنا ومولاتنا الزهراء سلام الله عليها

قال رسول الله (ص): «أن فاطمة بضعة مني وأنا منها»[2]

الزهراء سلام الله عليها القاسم المشترك بين النبوة والامامة

الزهراء سلام الله عليها قاسم مشترك بين النبوة والامامة، هذا القاسم التقت فيه الانوار وشعت هذه الانوار على كل مناطق الاستقطاب عند البشر الذين شرفوا بأبيها رسولاً وبالإسلام ديناً وبالقرآن كتاباً، النبي (ص) يقول كما في الروايات الواردة: «يؤلمهم ما يؤلمني ويؤذيني ما يؤذيهم ويحرجني ما يحرجهم»[3] والنبي (ص) عندما يقول مثل هذا الكلام يعني ان له قراءة استشرافية للقادم من الأيام وما تنطوي عليه تلك الايام، اربعة عشر قرناً من الزمن لم تكن تحمل القدرة على تعفية هذا الاثر وطمس معالمه، لان الزهراء سلام الله عليها اكبر من مسألة زمن ومكان وحدث، ان اردت ان تقرأ النبي (ص) فاقرء الزهراء، وان اردت ان تقرأ علي فاقرء الزهراء، لأنها ذلك القاسم المشترك بينهما، فيها تجلت آيات العظمة، فيها تجلت رحمة النبي، رأفة النبي، كرم النبي، علم النبي، بلاغ النبي.. وفيها ايضا من علي انوار الامامة، انوار الامامة في المعنى في كل معطياته فيما تمثل من ذريتها الطيبة الطاهرة المعصومة المصطفاة، من السبط الاول والسبط الثاني والانوار التسعة المنتزعة من نور الحسين بن فاطمة عليهم السلام وخاتمهم الخلف الباقي من آل محمد (ص).

ما هو المراد من احياء امر أهل البيت عليهم السلام؟

الليلة القادمة تحل علينا ذكرى وفاتها والتحاقها بالرفيق الأعلى، ونحن سنجتمع ويجتمع شيعتها في كل اقطار الارض من شرقها إلى غربها من اجل إحياء الذكرى، يقول حفيدها الامام الصادق (ع) مخاطبا احد شيعته (فضيل): «تجلسون وتحدثون؟ قال: نعم جعلت فداك قال: إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا يا فضيل! فرحم الله من أحيى أمرنا»[4] فهنا سؤال يطرح نفسه: ما هو الاحياء المطلوب من قبل أهل البيت عليهم السلام لأمرهم؟ هل هو مجرد الاجتماع والاستماع؟ ام أن هناك ثمة شيء جوهري ينطوي عليه هذا النسيج الواقع؟ ألا وهو علمهم، هديهم، تربيتهم سلوكهم و... لابد وان يصل إلى الناس ليتمثلوه طريقةً ويجسدوه واقعاً في الخارج، فهل علينا ان نكتفي من الزهراء سلام الله عليها فيما جرى عليها في الفصل الاخير من حياتها ونلغي جميع الفصول المتقدمة؟! الزهراء كتبت فصولاً من سيرة الاسلام في مكة والاسلام في المهد وكتبت فصولاً في المدينة والاسلام تخفق رايته وللزهراء فصلاٌ هامٌ أيضاً عندما فتحت مكة ودخلوا الناس في دين الله أفواجاً، كانت الزهراء سلام الله عليها إلى جانب النبي وعلي عليهما السلام ترى رؤيا العين وتسمع من أبيها يقول لعلي (ع): يا علي خذ الراية واقدمني الى مكة من الابطح ونادي في اهلها.. طبعا أهل مكة كانوا يتوجسون الخيفة ويظنون ان النبي (ص) سينزل بهم النكاية جراء ما فعلوه في بدر وأحد وحنين و... من قوائم جرعوا فيها الاسلام في عمومه والنبي (ص) في شخصه الغصص حتى كسرت رباعية النبي (ص) في أحد من احدهم، فتقدم عليٌ (ع) ونادى فيهم: «اليوم يوم المرحمة اليوم تحمى الحرمة» هذا هو النبي (ص) في رحمته، في رأفته، في شموليته، في قراءته للآتي.. فبسطت يد الرحمة على كل من كان في مكة حتى لأولئك الذين ولهوا في الدماء، وحتى في اولئك الذين تجاوزوا على الاعراض، الا ان النبي (ص) ابى إلا ان تكون صفحة بيضاء والراية بيضاء وهي في يد ولي من اولياء الله وهو علي (ع) يرفرف بها على الكعبة.

الزهراء سلام الله عليها وحي عملي يتجسد في الخارج

الزهراء سلام الله عليها مدرسة، فلنسأل من انفسنا أي الدروس حضرناها؟ الزهراء معطيات فلنسأل أي المعطيات اقتبسناها؟ الزهراء رسالة متحركة في العالم الخارجي فهل تمثلنا طريقتها؟ الزهراء قدمت للبشرية الامام السبط الاول والسبط الثاني وزينب عليهم السلام كأكمل انموذج للأولاد الذين يبدون للبشرية ولكل واحد ما يناط به من المسؤوليات، جميل ان نبكي ونغسل الذات من الداخل بعنوان الزهراء، حباً في الزهراء، وجميل ان نلطم الصدور ونلهب القلوب ونحرك المشاعر ولكن الزهراء لا تختصر في هذا، الزهراء اكبر من هذا بكثير، هذه طرق ووسائل تعبد لنا الوقوف في حضرتها، في عالم غيبها ولطف كرامتها، لكن الزهراء مدرسة الذي يدعي ويقول انا فاطمي، وذلك الانسان الذي يقف على باب مدينة علمها ويطرق هذا الباب ليقبس بعد الدخول من شذراتها ومن اشراقات نورها ومن نور هديها سلام الله عليها فهي تخاطبه وتخاطب كل من يقول انا المضاف الى فاطمة فانا فاطمي، تقول ان كنت تعمل بما امرناك وتنتهي عما زجرناك فأنت من شيعتنا، وإلا فلا، يعني لا يكفي ان اصرخ فقط، لا يكفي ان الطم فقط، لا يكفي أن أقيم الولائم والبس السواد وادمي الصدر والرأس.. هذا كله حسن وهو في ميزان الاعمال، لكن لا يمكن ان تختصر الزهراء سلام الله عليها في هذه الامور، لان الزهراء وحيٌ عملي يتجسد في الخارج، لنرى هل نحن حقيقة معها أم لا؟

القراءة الصحيحة لسيرة أهل البيت عليهم السلام

مفردة بسيطة ـ‌‌ وحتما الخطباء سوف يملؤون الفراغات ـ من هذه الامور هي التوسعة على العيال، نحن مع الأسف ما زلنا نقدم الزهراء على انها المرأة التي لا تملك في بيتها إلا قرص من الشعير! هذه النصوص التي نرددها كثيراً هل هي منطبقة على الزهراء من الف حياتها الى يوم ارتحالها حتى نصادر هوية الزهراء سلام الله عليها؟ المعروف ان بيت علي والزهراء كان ملاذ المساكين والفقراء، هل البيت الذي يكون ملاذاً والذي يقصد هو بيت ليس فيه شيء؟ يعني انا عندما اعلم ان بيت زيد من الناس لا يوجد فيه شيء فهم يفترشون الارض ويلتحفون السماء ويأكلون الماء بالرماد ثم بعد ذلك أتي واطرق عليهم الباب وأطلب منهم؟! أم لابد وان يكون ثمة شيء؟ فالبيت العلوي والفاطمي هو بيت كرم، بيت ثراء و... الامام علي كان يستنبط الماء من الارض ويحرث الارض ويفسلها ويجني ثمارها ويتصدق بالكثير من ريعها! هذا علي الطبيعي، هذا بيت الزهراء الطبيعي! لماذا نأبى إلا ان نقدم أئمتنا على أنهم أناس لا يمتلكون من الدنيا شيء ونشوه الصورة؟ وللمعلومية اقول بان النبي (ص) لم يكن ذلك الانسان المعدوم ولكن شدة الجود وشدة الكرم جعلت النبي (ص) يبذل كل ما يملك، النبي (ص) ساق شجرة الاسلام بالمادة والمعنى بجهوده وبعطائه، لذلك السماء ولكي تستمر الامور جسرت مجموعة من العناوين مثل الزكاة الصوم الخمس و... كلها تحت سلطة النبي الاعظم محمد (ص).

أهمية التوسعة على‌ العيال في مدرسة أهل البيت عليهم السلام

فعندما تأتي الزهراء وأبناء الزهراء ويقولون لنا وسعوا على عيالكم كيف سيكون منطلق هذا الحديث؟ لابد وان يكون من بيئة حاضنة، بيئة مهيأة، بيئة ممارسة، لذلك أنا وانت عندما لم نوسع على عيالنا سوف لا يشملنا من عمل بأمرهم وانتهى عن نهيهم، يجب ان نلتفت الى‌ هذا الشيء، وقد ورد في الحديث الشريف: «إن عيال الرجل أسراؤه، فمن أنعم الله عليه نعمة فليوسع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول عنه تلك النعمة»[5] اليوم مع الأسف نشاهد ان بعض الزوجات تذهب الى اخوانها وتطلب منهم! في حين ان الزوج يعمل كموظف أو يمارس تجارة أو ... والدنيا مبسوطة بين يديه ولكن لا ملاذ لها إلا الأخ أو الخال! هل هذا هو نتيجة البكاء على الزهراء؟ هل هذا هو نتيجة ما ادعيه أني فاطمي؟ يعني مجرد عنوان ليس فيه عمل، فالرواية تقول: فإن لم يفعل أوشك أن تزول عنه تلك النعمة، يعني بعد فترة وإذا النعمة غير موجودة، لماذا؟ لان الانسان الذي يكون بخيلا على عياله هل تترجى منه الخير على المجتمع؟! الانسان الذي لا يلتفت الى‌ أهله هل يلتفت إلى جاره ويتحسس جاره؟! لاحظوا من الامور التي لم تصل الينا هي ان السيدة الزهراء سلام الله عليها كانت تتفقد جيرانها، نحن كيف نقدم الزهراء؟ نقول أنها كانت لا تخرج من بيتها ابدا! طبيعة المرأة العربية المسلمة هل انها لا تخرج من بيتها ابدا وتجلس في بيتها إلى آخر العمر! الزهراء كانت تتفقد جيرانها وقضية الفقير والمسكين والأسير تعتبر قضية واحدة من مجموعة قضايا، عندما يأتي الخمس من الغنيمة للنبي (ص) كان النبي (ص) ينفق ما في يده وكذلك بالنسبة الى الامام عليٌ والزهراء وسائر الائمة عليهم السلام كانوا يبسطون أيديهم ويتحسسون الضعفاء من المهاجرين والانصار! هؤلاء هم أئمتنا، كفى! لا تخلطوا علينا الاوراق، وفقنا الله وإياكم لكل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.