نص كلمة: الأخوة والصداقة الصادقة

نص كلمة: الأخوة والصداقة الصادقة

عدد الزوار: 1377

2020-02-29

كلمة في مسجد العباس بالمطيرفي ليلة الثلاثاء 1441/6/9هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

صلى الله وسلم على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين ثم اللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أعداء الدين

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾[1]

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح واجعل نيتنا خالصة لوجهك الكريم يا رب العالمين

ندرة الأخوة الصادقة في آخر الزمان

ورد عن النبي الاعظم محمد (ص) انه قال: «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل: كيف أنصره ظالما؟ قال: تحجزه عن الظلم، فان ذلك نصره»[2]

وقال صلى الله عليه وآله: «أقل ما يكون في آخر الزمان أخ يوثق به أو درهم من حلال»[3]

هذه الرواية تؤكد على أن في آخر الزمان أندر ما يكون في يد الانسان هو الأخ الصادق الصدوق، والدرهم المكتسب من حلال، الأخ الصديق الصاحب والخل الوفي هم كثيرون عندما تكون الدنيا متسقة والأنهار تتدفق والاشجار تعطي ثمارها والتجارة تفيض بخيرها، لكن فتش عنهم في زمن الضيق وعندما تنزل النازلة وحين الانتكاسة وعند الضعف بعد القوة والفقر بعد الغنى والمرض بعد الصحة.. فتش عن هذا الأخ الذي كنت تسير معه، عن الصديق الذي كنت تقضي الليل معه، عن الصاحب الذي كنت شريكاً له وهكذا... فلن تجد له عيناً ولا اثراً، لأنهم وكما يقول الإمام السبط الثاني الحسين بن علي (ع): «إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون»[4]، إذن على الانسان ان ينقي اصحابه ورفقاء دربه، كما ينقي الطير الحب الجيد من الحب الرديء، وهذا الأمر ليس صعبا ولا متعذرا، لان هناك ثمة عوامل يمكن للإنسان ان يستند اليها ويتحرك بناءاً على معطياتها ليصل في نهاية المطاف إلى أخ وصديق وخل وصاحب وشريك هو أندر من الكبريت الأحمر لكنهم بالتالي هم موجودون.

في سبب اتخاذ النبي (ص) عليا (ع) اخا له

في قضية المؤاخاة في المدينة المنورة، بعد أن هاجر إليها اشرف البشر الحبيب المصطفى محمد (ص) فقد آخى بين المهاجرين والانصار، وقد كان هؤلاء من بلد وأولئك من بلد آخر، وهؤلاء جاؤوا وليس في أيديهم من الدنيا شروا نقيض، في حين أولئك كانت الدنيا بين أيديهم، لاحظوا المؤاخاة كيف تمت وعلى أي صفة جرت؟ النبي (ص) آخى بين المهاجري والانصاري واشرك الانصاري المهاجر في ممتلكاته بما تحمل الكلمة من معنى، الا انه (ص) ادخر عليا (ع) لنفسه، لان عليا مفردة لا تقاس بها سائر المفردات، النبي (ص) أراد ان يغادر مكة سراً لا جهرا بأمر من السماء، لان المشركين من قريش كانوا يتربصون به ليقتلوه أو يلقوا القبض عليه، لكن السماء أمرته ان يغادر مكة وان يخلف عليا (ع) على فراشه في تلك الليلة، لكن لماذا لم يكن ذلك الرجل هو الحمزة مثلا!؟ لأن الحمزة بالتالي هو رجل كمال وشجاعة وقوة وبأس وتضحية؟ لماذا لم يكن إلا علي (ع)؟ الجواب هو لان الأمانة ثقيلة ولا يقوم بها إلا علي (ع) صحيح ان الحمزة يتحمل ان يقاتل ويقارع الأبطال حتى يستشهد بين يدي النبي (ص) لكن الأمانة وكما قلت كانت ثقيلة جدا لا يتحملها إلا الامام علي (ع)، أصلاً السماء أرادت عليا للنبي أخاً ووصياً ووزيراً وخليفةً من بعده، نحن كأناس ننتمي لمدرستهم ونحاول ان نتمثل طريقتهم في الحياة هذه هي النماذج وهذه هي الصور العالية الجودة تتردد أصداؤها على مسامعنا ونقرأها في اسفارنا وفي كتبنا، لكن ما الذي يتحرك منها في داخلنا عملاً؟ ما الذي منها يحرك الوجدان الكامن في داخل هذا المكون في هذا القفص الجسمي؟

مواصفات الصديق الذي يمكن الاعتماد عليه

نعم الأصدقاء كُثر عندما نكون في أحسن حالاتنا، لكن ليس بالضرورة ان يبقى هؤلاء الأصدقاء معنا حتى ملحودة القبر، بل قد ينفض الواحد منا يديه من اقرب الناس إليه لأبسط انتكاسه أو لأقرب هفوة أو لأصغر اصغر ما يمكن من الحلقات التي تعترض الطريق، لذلك النبي الأكرم (ص) يقول: أقل ما يكون في آخر الزمان أخ يوثق به، يعني الذي يمكن أن يؤتمن على المال وعلى العرض وعلى الروح، اقرؤوا في الصحف (الورقي منها والإلكتروني) ستجدون القضايا التي يندى لها الجبين وأيضاً ما يجري بين الدهاليز وفي المواقع المستثناة ستجد أيضاً ذلك له وقعه وأثره بحيث ربما يلجأ الواحد منا في نهاية المطاف إلى ما أرشدت إليه بعض النصوص إلى انه «ألزم دارك» أو «أغلق باب دارك» أو «احكم اغلاق باب دارك» لماذا؟ لندرت الاخ الذي يوثق به، انت اليوم جرب أعطي مثلا زيد من الناس أو عمر من الناس سراً والحال طيب وحسن، لكن لو حصل ما حصل مثل فرقة أو نفرة حينها انظر الى ذاك السر هل بقي سرا ام لا؟ وما عسى ان تدخل بيت فلان أو فلان إلا وسمعت بالسر؛ وكل سر جاوز الاثنين شاع، هذه مصيبة وكارثة، فالصاحب الذي يمكن ان يوثق به عند الشدائد وعند وقوع مصيبة في دائرة المال لابد ان يمتحن حتى نرى أدائه للأمانة وصدق حديثه، امتحنه وانظر هل يبقى مثلما كان معك من قبل أم انه يقطع حتى السلام معك وحتى انه لا يحب ان يلتقي معك ابدا! في حين كان يجتمع معك وما كان يأنس الا بلقياك! وكان يترك زوجته في البيت الى الساعة الواحدة أو أكثر من منتصف الليل حتى يقضي معك سويعات، لكن هو الآن كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا! أصبح لا يرغب في رؤيتك اصلا! احيانا لا لشيء سوى لان فلان نقل عن قال فلان شيء! فهذا بدل ان يكلف نفسه ويذهب لذاك الفلان ويستفسر، يأخذ بكلام هذا الشخص الناقل والذي يطلب منه ان لا يذهب ويستفسر بحجة ان لا يكون شباب فتنة! في حين هو أب الفتنة وأمها وعمها وخالها ... انت عندما سمعت شيء ادفنه عندك واجعله في داخلك، يعني فقط أنت عندما تنقل تصبح صاحب خير ورسول سلام وعنصر محبة! اذن لماذا الحديث الشريف يقول: «لو تكاشفتم ما تدافنتم»[5] أنا في يوم من الأيام كنت أصلي على جنازة ميت، وأنا بالعادة أقول في التكبيرة الأخيرة «اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت اعلم به منا لعلمك بعاقبة الامور» فعندما انتهى التدفين وخرجت من المقبرة واذا بشخص ينتظرني في سيارته وكان الجو حار وهو فاتح مكيف وسأل مني: سيدنا عندكم سيارة أم لا حتى أوصلك؟ فقلت لا عندي سيارة، فقال فقط دقيقتين آخذ من وقتك رجاءً اركب معي في السيارة، فركبت سيارته فقال لي سيدنا كيف تشهد بحق هذا الميت هذه الشهادة الكبيرة وانك لا تعلم منه إلا خيرا؟! انت لو جئت لنا لعلمناك ما كان هذا الميت! يعني حتى الميت لم يرتاح! يا سبحان الله! فهل هذا هو زمن طيب ام شر؟

الأمر الثاني الذي تحدث عنه النبي الاعظم محمد (ص) هو الدرهم من حلال هذا أيضا نادر اليوم، والحديث عن هذا الموضوع نؤجله إلى الاسبوع القادم لو كنا احياء ان شاء الله وفقنا الله واياكم لكل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.