تويتر
فيسبوك
انستقرام
يوتيوب
Rss

نص خطبة:الإمام الرضا بين الولاية الظاهرية و حقيقة التمهيد للقضية المهدوية

الجمعة 19 / 2 / 1441 18 / 10 / 2019
نص خطبة:الإمام الرضا بين الولاية الظاهرية و حقيقة التمهيد للقضية المهدوية
  • 2020-08-28 11:08 AM
  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد التعليقات 0
  • -
    +

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف أنبيائه ورسله حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين. ثم اللَّعن الدَّائمُ المؤبَّد على أعدائهم أعداء الدين.

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾([1]).

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح، واجعل نيتنا خالصةً لوجهك الكريم، يا رب العالمين.

عظم الله لنا ولكم الأجر بإمامنا الثامن الضامن، علي بن موسى الرضا (ع) غريب الغرباء. وعظم الله أجورنا وأجوركم في ذكرى الأربعين الحسينية. وأشركنا الله وإياكم في صالح الأعمال، وحفظ الله الزائرين في أي مكان كانوا.

قالوا في الإمام الرضا (ع):

لقد أجمع المؤالف والمخالف على عظمة الإمام الرضا (ع) وعلوّ شأنه.

يقول الشبراوي في حقه: كان رضي الله عنه كريماً جليلاً مهاباً موقراً، وكان أبوه موسى الكاظم يحبه حباً شديداً([2]).

أما الذهبي المعروف بخشونة أسلوبه، وبشاعة تعابيره بخصوص مدرسة أهل البيت (ع) وأتباعهم، فيقول عن الإمام الرضا (ع): وكان سيد بني هاشم في زمانه، وأجلّهم وأنبلهم، وكان المأمون يعظمه، ويخضع له، ويتغالى فيه، حتى أنه جعله ولي عهده من بعده([3]).

وأما في مدرسة أهل البيت (ع) فحدّث ولا حرج، فالنصوص في علو مقام الإمام الرضا (ع) متكاثرة، كما جاءت في آبائه وأبنائه، وهم كوكبة واحدة.  

الإمام الرضا (ع) والأطروحة المهدوية:

وفي حياة الإمام الرضا (ع) محطات كثيرة، وإن كان لولاية العهد المساحة الكبرى من تلك المساحات، فما هي الأسباب والدوافع؟ هنالك قراءات واحتمالات كثيرة.

والقراءة لهذه المحطة من حياة الإمام الرضا (ع) تناولها كلٌّ بحسبه، ولو أنها أخذت  مسارها الصحيح في وسط الأمة منذ أن وصلت ولاية العهد له (ع) وتعامل معها المحبون كما ينبغي، لما كان مستوى الوعي بهذه الحالة من الضّعة والضعف والتراجع وسوء التدبير من هذه الحالات.

ومن المفردات المهمة في حياة الإمام الرضا (ع) وهي مرتبطة بولاية العهد الفعلية أيضاً، مسألة الإمام المهدي المنتظر (عج) وتتمثل في الإعداد المبكر لإرهاصات تلك الدولة، وهي دولة العدالة الكبرى التي لم يتسنَّ لنبي ولا وصي أن يبسط نفوذها على كافة أقطار الأرض وجميع آحاد البشر، إنما كانت الأمور في مسرى العدالة في دائرة النسبية، إذ تكون العدالة في موقعٍ ما بنسبة معينة، ثم ترتفع، وما تلبث أن تنخفض، وهكذا دواليك. أما العدالة في دولة الإمام المهدي (ع) فهي عدالة مطلقة لا تتجزأ، ولا تُعطى حصصاً من النسبة إنما هي عدالة شاملة يتحرك ضمن حدود منظومتها كل البشر، بما أوتوا من قوة واقتدار، أو عاشوه من حالة ضعف، فهو يرتقي بالضعيف، ويأخذه إلى مصافّ القوي في نقطة الاعتدال. هذه هي العدالة التي تجري على يدي الخلف الباقي من آل محمد (عج).

إن حركة الإمام المهدي (عج) سارت مع حركة الأنبياء والأولياء، غاية ما في الأمر أن هذه الحالة من السير، تلبس ثوب الوضوح تارة، وتختفي تارةً أخرى، وفق العوامل التي تفرض نفسها في التعاطي مع هذه الحقيقة، أما الإسلام فقد أصّل لها في الكتاب الكريم في آيات عدة، والمفسرون من الفريقين شيعة وسنة نصّوا على أن المهدي (عج) هو المراد من هذه الآيات. وأن دولة العدالة الكبرى لا تتحقق إلا على يديه وفق النص النبوي الشريف.

كما أن السنة النبوية أرست قواعد لهذه النظرية، وسطّرت كمَّاً هائلاً من الأحاديث الشريفة التي تنظر لهذه الحالة المهدوية منذ ولادتها كمصداق خارجي، متمثل بمحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى، حتى نهاية السلسلة النيّرة الطيبة.

فالقرآن الكريم تعرض للكثير من القضايا، إلا أنه لم يقف على النصوص المصداقية بالاسم، لكن ذلك لا يعني نفي القضية من أصلها، وإلا لجرى هذا المقياس في الكثير من الأمور، كما في الصلاة وغيرها، حيث لم يذكر القرآن الكريم تفاصيل الصلاة وشرائطها ومبطلاتها وأركانها ومقدماتها وغير ذلك، إنما جاء ذلك في السنة المطهرة التي تكفلت بذلك كله. نعم تغيرت بعض القراءات في تفاصيل الصلاة من خلال الفقهاء، لا من خلال النصوص. ولذلك تجد القواسم المشتركة في الصلاة شاخصة بين الفريقين، بل تجد أن نسبة التوافق بين المدارس الإسلامية قد تتجاوز 95٪. أي أن نسبة المختلف فيه لا تكاد تُذكر، بل حتى ما تبقّى من النسبة مختلف في تثبيته خارجاً بين الأعلام سعة وضيقاً.

فالنبي (ص) بسبب أهمية قضية الإمام المهدي (ع) وضع حجر الأساس لها، ثم تفرعت الكثير من النصوص.

فعنه (ص) أنه قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً»([4]). فهذا نص صريح بيّن يفقهه حتى الأعرابي الذي لا يحسن القراءة والكتابة، فضلاً عن غيره.

وعنه (ص) أنه قال: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»([5])، فهنالك رجل يُبعث وهو من ذرية النبي الأعظم محمد (ص). وفي نص آخر: «المهدي من ولد الحسين (ع)»([6]). وهكذا تضيق الدائرة وتتضح هوية المنتظر (عج) ويأخذ المسار اتجاهه على هذا النحو.

وقضية الإمام المهدي (عج) واضحة بينة لا ينكرها من يحسن التفكير ولديه شيء من الإنصاف والموضوعية. ولذلك لا ينبغي أن يزايد أحد على أحد في محبة أهل البيت (ع) والتعلق بهم. نعم، قد يكون بعضنا أكثر من بعض في مجال الممارسة العملية في الخارج، لكن ذلك التقدم في موقعٍ ما، لا يبرر لك أن تُسقط الآخر من أبجديات الولاء والمحبة. فالناس يتفاوتون في الاستعداد للمشاركة في الممارسات الخارجية كل بحسب وقته وظرفه، فهنالك من لديه الرغبة والقدرة والاستعداد أن يشارك في أكثر من مجلس حسيني في اليوم الواحد، فيما لا يستطيع غيره أن يشترك إلا في مجلس واحد، لكن كثرة الحضور لا تعني أنك تقدمت عليه في إيمانك وولائك وسلوكك وتوجهك وارتباطك. فربما كان من يحضر مجلساً واحداً أفضل بكثير ممن يحضر ثلاثة أو أكثر، لأنه أكثر توجهاً وبكاءً وخشوعاً وفهماً. فالقياس ليس الكمّ، إنما هو الكيف.

كما أن الوسيلة التي نرتبط بها مع أهل البيت (ع) تختلف من شخص لآخر بحسب بحسب الموقع أيضاً، فلا يمكن أن تطلب من السيد المرجع مثلاً أن ينزل للشارع ويلطم على صدره مع سائر الناس لاعتبارات كثيرة، فهل يمكن أن يكون غيره أفضل منه لأنه لم يمارس هذه الجزئية؟ فاللّاطم على صدره يؤدي ممارسة يثاب عليها إن شاء الله، ولا شك في ذلك، ولكن ذلك ليس هو المقياس. وكذلك من كان في ريعان الصبا قياساً إلى من هو متقدم في العمر، ولو كان الأب. فلو كنت شاباً تستطيع الحضور في تلك الممارسات أكثر من أبيك، فهل هذا يعني أنك أفضل منه وأكثر حظوة والتزاماً بأهل البيت؟.

إن الأب هو الأصل، ونعمة الأبوين ينبغي أن نشكر الله عليها دوماً، لا في وجودنا الخارجي فحسب، إنما في انتمائنا لمحمد وآل محمد (ع).

فالإمام الرضا (ع) في حقيقة الأمر الراجع للإمام المهدي (عج) يضع بصمته فيقول: «ما منا أحدٌ إلا اختلفت إليه الكتب، وسئل عن المسائل وأشارت إليه الأصابع، وحملت إليه الأموال، إلا اغتيل أو مات على فراشه، حتى يبعث الله عز وجل لهذا الأمر غلاماً منا خفي الولادة والمنشأ، غير خفي في نسبه»([7]).

فالأمور إلى هنا في سياقها الصحيح، ولكن اليوم نجد صيحات هنا وهناك، وما يعنيني هو أنتم أيها الطلائع من شباب وشابات، فالقادم من الأيام لن يكون كما كان بالأمس، وهنالك مسارات كثيرة تقرّب من الارتباط بأهل البيت (ع) ومسارات أخرى تنفّر، وأحياناً يتعاطى مسار التنفير من يتظاهر بالحب والولاء، ويزايد على إيمان الناس وارتباطهم، حال أنه ليس بالضرورة أن تكون له تلك الحظوة والقيمة. وعندما تجمع الأرقام لا تجد له ما يدلل على أفضلية وتقدم في موقع، خصوصاً في قضية الإمام المهدي (عج).

ولاية العهد في قراءة جديدة:

لقد ولي الإمام الرضا (ع) ولاية العهد في زمن المأمون العباسي، وكان في تلك الولاية الكثير من الخير والبركات، ولكن مع شديد الأسف، أننا لا نذكر أكثر من أنّ المأمون أمر بتزيين القصر، وبُسط بين يديه بساط خيوطه من الحرير والذهب الخالص، ونثرت عليه بُدَر من الذهب والفضة والدنانير المسبوكة، ثم أجلس الإمام الرضا (ع) عن يمينه، ثم أمر الشعراء بالدخول بعد أن اصطفّ القضاة وأمراء الجند، فصار الشاعر يمدح الإمام الرضا (ع) فيأمر له بعطية، كما هو الحال عند الملوك والسلاطين والحكام. هذا هو المشهد الذي يُقدَّم لنا كي نتعاطى الموقع أنه موقع دنيوي.

لكن واقع الأمر ليس كذلك، فعندما يتولّى الإمام أمير المؤمنين (ع) الخلافة في زمانه، ويتولى الإمام الحسن (ع) أمور المسلمين لأشهر معينة، ثم تنقطع السلسلة، ثم يعود الأمر للإمام الرضا (ع) بعنوان ولاية العهد، فما وراء العنوان الظاهري الشيء الكثير، ولكن طلاب الراحة والبساطة والدعة يقفون عند ظواهر الألفاظ ومعطيات المصطلحات، حال أنه ينبغي أن يبعثرها بعثرة تامة ليصل إلى حقائق الأمور.

فالإمام الرضا عندما تولّى ولاية العهد أعاد الروح من جديد في القراءة السياسية للمشهد في أتباع مدرسة أهل البيت (ع). فهل انتبهنا لهذه الحقيقة؟

لو أننا كنا منتبهين لذلك عبر القرون المتصرّمة لما توارثنا ما نحن عليه اليوم، ولكن حيث إننا أدرنا ظهرنا لحقيقة مرتكز قبول ولاية العهد من قبل الإمام الرضا (ع) فقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه.

فالإمام الرضا (ع) بقبوله لولاية العهد أراد أن يرتقي بالوعي في أوساط أتباع مدرسة أهل البيت (ع) ليقرأوا المشهد من جميع جوانبه، بكل أنواع المفردات المتاحة المحجور عليها سياسياً، لتفتح من جديد في حياة الإمام الرضا (ع). فصارت الأمور تسير بهذا الاتجاه.

أما نحن فأصبح وضعنا مختلفاً عما أراد لنا الإمام الرضا (ع) ولذلك نجد أن أحدنا إذا ما ابتلي في يوم من الأيام بقضيةٍ ما من هذا النوع، تجد العديد من القراءات المتقاطعة التي عليها الكثير من علامات الاستفهام، والمشهد أمامنا اليوم فلنلاحظه ونتأمل فيه.

التراث المعرفي للإمام الرضا (ع): 

لقد خلّف الإمام الرضا وراءه 2033 حديثاً شريفاً، نستطيع أن نقرأ من خلالها الإمام الرضا (ع) في تأصيله ومناظراته وأطروحاته وتوجيهه لأتباع مدرسة أهل البيت (ع).

ومن مجموع هذه الأحاديث نجد 1049 حديثاً فقط في المسارات الفقهية، أما ما تبقى منها فهو في تسيير نظم الناس، والأخذ بأيديهم من سبيل إلى آخر أكثر سلاسةً، وأسهل وصولاً إلى الهدف. وفي مسند الإمام الرضا (ع) تجد هذه الحقيقة بشكل واضح، شرط أن نقرأ ونطّلع.

فيا من تحملون الجوّالات في أيديكم والطرقات والاستراحات وغيرها، قلّبوا صفحات حياة الأئمة (ع) بدلاً من أن نقضي أوقاتنا في ما قال الصحفي الفلاني أو المسؤول الفلاني، فلا أنت معنيّ بحل القضايا العالقة في المنطقة، ولا غيرك من مثلك معنيّ بما يجري في العالم، ويجب أن تقف في حدود حجمك الطبيعي، وأن تعمل في دائرة الأهم، وهو أن تقف على جواهر آل محمد (ع) وتسير وفق معطياتها. ففي يوم القيامة لا يستوقفني الملك فيسألني: متى وصل رئيس الولايات المتحدة إلى أنقرة؟ ولا يقال لي: ماذا قال المسؤول الفلاني في مؤتمره الصحفي؟ إنما أُسأل عن ولاية علي بن موسى الرضا (ع) وهديه ومعطيات مدرسته. فالله تعالى يقول: {وَقِفُوْهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُوْلُوْنَ}([8]).  فبعد السؤال عن حقيقة الربوبية سوف تُسأل عن حقيقة محمد وآل محمد (ع) وما كنت عليه منهم في عالم الدنيا. نعم، تحاسب على الصلاة والعبادات، ولكن هنالك الكثير من الأمور الأهم التي سوف تحاسب عليها وتُسأل عنها، وهي الإيمان والعقيدة بربك ونبيك وإمامك وثباتك على ولايتك، ثم يأتي بعدها الممارسات الخارجية من الصلاة والصوم والحج وغيرها من العبادات.

رؤى جديدة في الإصلاح المرجعي:

في الأسبوع الماضي تكلمنا حول الأمور التي ينبغي أن يُلتفت إليها في هذه الحقبة الزمنية، وقد تطرقنا إلى الأمر الأول، وقلنا: ينبغي وجود مجلس أعلى يندرج تحت نطاقه مراجع الطائفة، لا على التعيين والتحديد، كي تتوحّد الفتوى والآراء في بعض القضايا الخاصة ذات المساس المباشر بالمذهب، وكذلك بالأفراد التابعين له. ففي هذا الزمان لا يمكن حصر الأعلمية بشخص معين، إذ لا يستطيع أيٌّ كان أن يدعي الأعلمية لنفسه إلا ويجد الآخر يدعيها لنفسه أيضاً، ولكل منهما رأيه ودليله.

فالأعلمية مما لم يُتفق عليها تشخيصاً ولا مفهوماً، فلا تجد في نطاق الحوزة العلمية اتفاقاً حول هذا الموضوع بشكل جامع مانع، رغم مرور حوالي 150 عاماً على هذه المفردة. ففي حدود معرفتي واطّلاعي وسؤالي عن ذلك من أهل التخصص أنفسهم، لم أجد ضابطة جامعة لهذا المصطلح.

أما في الخارج فمن باب أولى لا تجد اتفاقاً، فإذا اختلفت المباني والمفاهيم اختلفت المصاديق الخارجية تبعاً لها. ويبقى الملاك في ذلك هو براءة الذمة، فكل مجتهد عادل يكون تقليده والرجوع إليه في عباداتنا ومعاملاتنا وغيرها مبرئاً للذمة.

فهؤلاء المجتهدون لو جمعهم مجلس واحد، كما هو الحال في سائر الأديان والمذاهب لكان ذلك كفيلاً بحل الكثير من المشاكل. كما في المسيحية التي تجتمع في مجلس أعلى يضم الباباوات في جميع أقطار الأرض، لا سيما الكاثوليك، حيث  يجتمعون في كل صغيرة وكبيرة ويقررون قراراً موحداً. وعلى هذه فقس ما سواها.                 

هذا هو الأمر الأول الذي ذكرناه في الخطبة السابقة.

أما الأمر الثاني: فهو رفع حالة الاطمئنان والثقة عند الناس بالمرجعية، بعد التراجع الملحوظ في السنوات الأخيرة، فلا أحد يشكّ اليوم أن حظوة المرجعية في زمن العلمين الكبيرين السيد الإمام والسيد الخوئي رحمهما الله، كانت أكبر مما هي عليه اليوم، فقد كان الوقوف عند حدود رأيهما وقولهما وفتواهما آنذاك أقوى مما هو عليه اليوم، فلم نرَ بالأمس هذا التجاسر والتطاول اللّا محمود كما نراه اليوم، إذ بلغت الأمور أن يُستخدم المرجع اليوم عصا يُجلد بها ظهر هذا وذاك، وسوطاً يُلهب به ظهر هذا وذاك ويصادر حريتهم في القول والنظر والفتوى.

ولهذه الظاهرة أسباب وعوامل كثيرة، منها وجود من ينتحلون الثقافة وهم منها براء. ومنها وجود أصحاب التزمت الخرافي، أو وجود من لا يتحمل المسؤولية ويؤثر السلامة والجلوس في بيته، أو وجود أصحاب الرمزية أنفسهم من وكلاء أو أئمة جماعة أو غيرهم. بل حتى المرجع نفسه قد يكون مسؤولاً عن هذه الظاهرة، فعندما ينسب بعضهم للمرجع كذباً وزوراً، ثم يعلم المرجع بحقيقة الأمر، فلا ينفي ولا يثبت ولا يُعقّب ولا يستنكر، فهذا يجعل الآخر يتطاول، كما حصل ويحصل.

فلو أن الأمور سارت في اتجاه حفظ ما كان يحفظ فيما مضى، لوصلنا إلى برّ الأمان.

الأمر الثالث: إحداث نقلة نوعية في هيكلية التدرج المرجعي، فالحقبة الزمنية اليوم تستدعي شروطاً أخرى جديدة غير ما كانت عليه في الماضي. كي تصان المرجعية وتصل الرسالة إلى الخلف الباقي من آل محمد (عج) بصورة صحيحة وسليمة.

الأمر الرابع: إعداد المقلِّدين ذهنياً للتعاطي مع مرحلة القيادة، وهي مرحلة أسمى وأرفع من المرجعية، فأهل البيت (ع) لم يضفوا على المهدي صفة المرجع، إنما صفة القائد والزعيم والسيد والمخلّص. فهذه المفردة أوسع وأشمل من مفردة المرجع. ومن هنا نجد أن المرجعيات التي قامت بتكليفها في السابق كما ينبغي، إذا تعاملت في القادم من الأيام بذات المقاييس والضوابط والأجندات والمنطلقات التي كانت في السابق، فعليها أن تقرأ الفاتحة عليها وعلى من يأتي خلفاً لها.

وفقنا الله وإياكم لكل خير، والحمد لله رب العالمين.

 

([1]) طه: 25 ـ 28.([2]) الإتحاف بحب الأشراف، الشبراوي الشافعي: 88.([3]) تاريخ الإسلام، الذهبي 14: 270.([4]) سنن أبي داود2: 310. المصنف، ابن أبي شيبة8: 679.  ([5]) سنن أبي داود 2: 310.  ([6]) انظر: عقد الدرر في أخبار المنتظر، المقدسي: 223.  ([7]) الكافي، الكليني1: 342. ومثله باختلاف يسير في اللفظ، ما ورد في  كمال الدين وتمام النعمة، للشيخ الصدوق2: 370.  ([8]) الصافات: 24.
تعليقات الزوار