تويتر
فيسبوك
انستقرام
يوتيوب
Rss

نص كلمة:أثر الحج في بناء النفس الإنسانية

كلمة في مسجد العباس بالمطيرفي ليلة الثلاثاء 1440/11/27هـ
نص كلمة:أثر الحج في بناء النفس الإنسانية
  • 2019-08-29 04:08 AM
  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد التعليقات 0
  • -
    +

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على اشرف المرسلين حبيب اله العالمين ابي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أعداء الدين

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾[1]

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح واجعل نيتنا خالصة لوجهك الكريم يا رب العالمين

ورد في الحديث الشريف عن النبي الاعظم محمد (ص) أنه قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»[2].

الاستطاعة؛ هي المدار في وجوب الحج

ايام قلائل تفصل المسلمين عن الظرف الزماني لفريضة الحج، والحج له خصوصيته بين مجمل العبادات التي افترضها الله سبحانه وتعالى على عباده، عبادة قدم لها شرط ألا وهو الاستطاعة حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[3]الاستطاعة في الجسد، في تخلية السر، في القدرة المالية أي ان يعود الى اهله وهم في غير حاجة، البعض من الناس يهمه اولا وبالذات ان يصل الى تلك الديار المقدسة سواءٌ كانت تلك الديار هي عبارة عن مكة والمدينة او كانت العتبات العاليات للمعصومين (ع)، لكن لا يسأل من اين ولماذا وإلى من، كل هذه الاسئلة في منأى عنها، الحج فريضة مشروطةٌ بالاستطاعة، اذن لماذا نتمحل الطرق والاساليب لأداء هذه الفريضة حتى وان كانت ملتوية؟! أحد أوجه الالتواء هو عدم التعاطي الجيد مع رب الحملة، بالتالي رب الحملة رجل نذر نفسه لخدمة الحاج وهو شرفٌ عظيم ولا يمنع ان يلتمس من وراء ذلك فائدة مادية، لان ذلك حقٌ مشروع، وعمل الانسان محترم في كل واد من الاودية، وفي كل جهة من الجهات، اذا كان العمل له قيمة عند العقلاء من حق الانسان ان يتقاضى عليه اجرا وليست الحملة او الحملدارية كما يعبر عنها في منأى عن هذا الجانب، بل هم يتحركون في شرف المهنة والخدمة في تذليل الصعاب للمسلمين، في انجاز هذا الفرض من جهة ومن جهة أخرى يلتمسونه من طريق شرط، يعني كالمنبر الحسيني من حق الخطيب ان يتقاضى جهده وتعبه والكتب التي يبذل فيها الاموال الطائلة لشرائها والاوقات التي يقضيها لاستظهار نص سواء كان قصيد او كان نص تاريخي او أي أمر من الامور والآليات التي هي عبارة عن المخزون الطبيعي الذي يتحرك فيه الخطيب وعلى هذا فقس ما سواه ..

لا يطاع الله من حيث يعصى

اقول: الالتواء اين يكمن؟ اذا عقدت العزم على الحج وذهبت الى صاحب الحملة وتعاقدت معه وكانت الاستطاعة ليست في يدك فاستمهلته فأمهلك ثم ماطلت معه في احسن الحالات، هذا ان لم تكن قد قطعته في رزقه ومنعته اجره وضيعت الفرصة عليه في ان يستبدل بك غيرك، لأنه عندما تحجز مكان من اصل مجموع انتهى الأمر وضيعت فرصة على رب الحملة، وأنا إذا كنت بانيا على ان أكون مماطلا في دفع الحق من جهة، او قد يكون اكثر من ذلك ـ والعياذ بالله ـ يعني تبييت النية على عدم الدفع! وهو يتصور انه يرجع من الحج وتنتهي مسؤوليته امام الله! في حين ان مسؤوليته وذمته مازالت عالقة وفي نفس الوقت هو عاصي، لأنه منع ذلك الحملدار حقه، وانا اعرف اكثر من حملة انهارت لا لشيء الا لأنها لم تتقاضى حقها من الحاج! لابد ان يقف الانسان مع نفسه قليلا وقفة تأمل ويسأل من نفسه أليس التكليف الشرعي هو أن لا يطاع الله من حيث يعصى؟ فاذا كان عندك قدرة واستطاعة توكل على الله واذهب واذا لم يكن عندك امسك ارضك، لان الله لم يكلفك وانت ايضا من المفروض ان لا تكلف نفسك اذية الناس وتزاحمهم، والمقصود من أن «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» هي الذنوب الطارئة وليس الذنوب التي يصر الانسان عليها ويكررها ويتردد عليها، لأن لدى البعض قراءات خاطئة‌ وناقصة يقول لك انا ذهبت الى العمرة وسأذهب مرة أخرى والله سبحانه وتعالى سيمحوا كل الذنوب التي قمت بها خلال الفترة بين العمرتين! اليوم مع الأسف مثل هكذا قراءات موجودة في أوساطنا، مثل ذلك الصوفي الذي كان يأتي الى بائع التفاح والرمان ويشاغل البائع فيسرق رمانه، ثم يتصدق بها! يقول له احد مريديه: كيف تسرق وتتصدق؟ فكان يقول: السرقة بسيئة والصدقة بعشرة حسنات! نطرح واحد من عشرة يبقى تسعة عندنا فنحن اذن نربح في هذه المعاملة! انظروا الى التلاعب والى القراءات الخاطئة المدمرة في نفس الوقت، يعني سارق يسرق ويتصدق بما سرق! هذه مشكلة.

خصوصيات الحج المبرور

فالحج أمر مهم جداً وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي الأعظم محمد (ص) انه سئل أي الاعمال افضل بعد الايمان بالله ورسوله فقال (ص) «حج مبرور»[4]، ما المقصود من «الحج المبرور» المقصود هو انك لم تستقرض من أحد الناس مالا وتنوي ان لا ترجعه إليه! أو تتفق مع الحملدار مثلا على صيغة معينة من تسديد المبلغ ثم تنوي أن لا تفي بذلك! وإنما تذهب الى الحج بعد ان تصفي كل حساباتك، تذهب الى الحج وهذه الآية الشريفة تتكرر في ذهنك: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾[5]، لا أن هذه الأمور الثلاثة يصبحن تسبيحاتك الكبرى! يعني من الصبح أنت متمشكل مع شخص، أو داخل مع الحملدار في صراع أو مع رجل الدين في نقاش بحيث ان رجل الدين لم يستطيع ان يخلص نفسه من عندك! وحتى عندما تطوف حول الكعبة تدفع هذا وتضرب هذا وتمسك هذا .. ومع كل هذا يريد ان يكون حجه مبرور وسعيه مشكورا وأن يتقبل الله سبحانه وتعالى‌ منه الاعمال! لا يا حبيبي الامر اخطر من ذلك، وعندما يقال بان الحاج إذا أتم حجه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فهذا يعني انه لابد ان تكون هناك عملية تطهير كاملة اساسها وقواعدها محكمة.

أهمية التفاعل مع رجال الدين لفهم الاحكام في الحج

هناك مسألة اخرى وهي انك لا تسمع ولا ترى شخص يسال عن الكادر المسؤول عن بيان وتوضيح تشريعات الحج في وسط الحملة، بغض النظر عن مسألة التحيزات والانتماءات والرفقة والصداقة، لا انا اتكلم عن شيء آخر، انا عندما أذهب مع هذه الحملة لوجود آية الله فلان فيها أو حجة الاسلام فلان أو العلامة فلان، لانهم يعيشونني شعورا وتكليفا، أو عندما أسأل من شخص مع أي حملة تذهب؟ يقول: مع فلان حملة، وعندما أسأله ما هي مميزات هذه الحملة؟ يقول: سكنهم قريب، سياراتهم جديدة، ادائهم عن نظام الأكل جيد، حيث ان نظام الاكل عندهم بوفه مفتوحة ..! ثم ماذا؟! قد تكون سيارتك في بلدك افضل من سيارتهم واكلك في البيت افضل من اكلهم أو على هذا فقس ما سواه .. اذن لابد ان يكون هناك شيء اهم واكثر عمق وتجذير، أنا عندما أذهب الى الحج هل أذهب كي اتنزه؟ هل أنا أذهب كي أحج أم أحصل على‌ لقمة أكل انا دافعها بأموالي مسبقا والحملدار لم يتصدق علي وليس له فضل من حيث الصدقة علي وانما هو يأخذ اجره، وكلامي هذا لا يناقض كلامي السابق حول الحملدار، فأنا عندما أذهب الى الحج وأرجع، أرجع وأنا أحمل عنوان «الحاج» وهو عنوان ينطبق على كل من أدى مراسيم الحج، لكن الحاج له دلالة، يعني القيت عهدة التكليف عن عاتقك، فلابد ان يكون الحج مضبوط ومحكم ومتقن، ان شاء الله الذين يذهبون في هذا العام الى الحج وصوتي ان شاء الله سوف يصل الى الكثير منهم، لأنه تسجيل أقول بان رجل الدين في الحملة يعتبر أحد الكوادر في الحملة، يعني الحملدار جاء به من اجل تأمين التكاليف الشرعية، يعني مثلما يأتي بمجموعة تؤمن المواصلات أو تؤمن المأكل والمشرب والمسكن أو خدمة الحاج أو العلاقات العامة، أو تنظيم الامور المالية ايضا جاء برجال دين من اجل هذا الهدف، اذن لماذا كل اهتمامك ووقتك مصروف مع الطباخ في طبخه أو مع السائق في تنظيم مكان جلوسك في السيارة أو ... في حين سائر الأمور العبادية الاخرى تهملها ولا تجهد نفسك في أن تتعلم المسائل التي تتعلق بإحرامك وطوافك وسعيك وصلاتك ومبيتك وتقصيرك و ... أنت مستعد ان تذهب مرات عديدة الى المطبخ وتسأل من الطباخ ما هو الفطور أو ما هو الغداء أو العشاء اليوم في منى؟ الا انك غير مستعد ان تسأل عن صحة الاعمال التي تقوم فيها في منى او مدى صحة التلبية التي تقوم بها او صحة الطواف مع هذه الجموع الغفيرة من الحجاج أو المسائل التي تتعلق بالطهارة، او الاحكام التي تتعلق بالمشاعر أو ... فأنا اريد أن اقول الشخص الذي يذهب الى الحج ويرجع لابد ان يرجع حاج، طهر نفسه وبات اقرب الى الله سبحانه وتعالى مما كان عليه قبل ان يذهب الى الحج، يعني الحاج اذا كان في داخله غل للذين آمنوا ولم ينزع الغل وهو أمام الكعبة المشرفة في بيت الله وبين يدي الله ولم يتخلص من كل عوالق الدنيا سوى هذه القطعة من القماش التي يستر بها عورته، اذن متى يريد ان يرمم ذلك، هل عندما يرجع للدنيا وينغمس فيها مرة ثانية ويبدأ يبيع ويشترى ويخسر ويربح و ...؛ فالحج فرصة، الحج مساحة لابد للإنسان أن يستفيد منها. أسأل من الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا واياكم على خير وأن يوفق الحجاج في حجهم ويدفع عنهم كل سوء وبلاء ويرجعهم الى أوطانهم سالمين غانمين ويشركنا في صالح اعمالهم ويجعل الحج في هذا العام حجا ناجحا كما كان عليه في العام الماضي ان شاء الله تعالى ويتقبل من المؤمنين اعمالهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

 

[1] . طه: 25ـ28.[2] . كنز العمال للمتقي الهندي، ج ٥، ص ١١٤.[3] . آل عمران: 97.[4] . راجع: عمدة القاري للعيني، ج ٢٥، ص ١٨٧.[5] . البقرة: 197.
تعليقات الزوار