تويتر
فيسبوك
انستقرام
يوتيوب
Rss

نص خطبة:أثر العلماء في زمن الغيبة الكبرى على الواقع العلمي بين المؤمنين

الجمعة 1440/8/20هـ - 2019/4/26م
نص خطبة:أثر العلماء في زمن الغيبة الكبرى على الواقع العلمي بين المؤمنين
  • 2019-06-13 12:06 PM
  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد التعليقات 0
  • -
    +

 بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على اشرف انبيائه ورسله حبيب اله العالمين ابي القاسم محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين ثم اللعن الدائم المؤبد على أعدائهم اعداء الدين.

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾[1]

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح واجعل نيتنا خالصة لوجهك الكريم يا رب العالمين

ورد في الحديث الشريف عن الحبيب المصطفى (ص) أنه قال: «المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقا وخلقا، تكون له غيبة وحيرة حتى تضل الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا»[2]

الطرق المرسومة والمحددة الموصلة الى الخلف الباقي من آل محمد

يعتبر زمن الغيبة الكبرى من اكثر الازمنة تعقيدا وصعوبةً على ابناء الامة المسلمة بشتى تفريعاتهم المذهبية سواء من شيعة وسنة، لان الامام المهدي (ع) هو الموعود لنشر راية العدل الكبرى عند البشر قاطبة ناهيك بالديانة الخاتمة التي جاء بها النبي الأعظم محمد (ص) ومن البديهي ان لا تترك الشريعة أتباعها في عالم الضياع، بل رسمت لهم الطرق وحددتها ثم جسرت فيما بينها كي يلتقي الجميع على هدف واحد ألا وهو طلب الرضا من آل محمد (ص) وهو المتمثل في الخلف الباقي صلوات الله وسلامه عليه.

العلماء العاملين

من هذه الطرق المنصوبة؛ العلماء فهم حصون الأمة في زمن الغيبة، هؤلاء العلماء الاتقياء العدول هم الذين انيطت بهم المسؤولية كي يقوموا بها في زمن التيه وفي زمن الضياع والشتات، بطبيعة الحال الالف واللام التي فيها هي استغراقية، تشمل كل من اتصف بصفة عالم، لكن من الطبيعي ما من عالم الا وقد خص، لذلك جاءت الروايات الاخرى لتقيد هذا المفهوم العام وتجعله ضمن اطار مميز في دائرة ذلك العموم المستشرف من خلال النص. للعالم في زمن الغيبة كرامة، هذه الكرامة يأخذها يوم القيامة من سيد المحشر الاكبر وهو النبي الأعظم محمد (ص) لكن هذه الكرامة لا تأتى حتى يقوم ذلك العالم بتمام دوره وكماله والنهوض بجميع المسؤوليات الملقاة على عاتقه، جاء في الحديث الشريف عن المولى علي (ع) انه قال: «من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور يضئ لجميع أهل العرصات»[3]؛ يعني جعلت العلة في ذلك العلم المتصف بذلك الانسان العالم ان اهل البيت عليهم السلام هم وراء ذلك فيأتي يوم القيامة وعلى رأسه تاجٌ من نور يضيء لأهل تلك العرصة وهذا الوسام تاج كبير من نور، وهذا النور هو خاص وهو نور محمد وآل محمد، لكن هذا ليس لكل احد وانما لأولئك الذين يقومون بأعباء المسؤوليات في وسط مجتمعاتهم واممهم واسرهم سعة وضيقا بحسب ما يؤمنه الظرف لهؤلاء العلماء في دائرة القدرة والاستطاعة، ثم نسال ما هو العلم المقصود هنا؟ القرآن يؤسس لنا القاعدة فيقول ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾[4]، فالعلم يبحث عن وعاء نظيف كي تفرغ القدرة نورها في ذلك الوعاء، لذلك جاء في الحديث الشريف عن الحبيب المصطفى (ص): « العلم نور وضياء يقذفه الله في قلوب أوليائه»[5]، هذا العلم المتصف بالنورانية هو الذي يضيء الطريق للعالم اولا وبالذات ومنه يترشح على المحيط من حوله، لذلك جاء في الحديث النبوي الشريف ايضا ان: «صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي وإذا فسدا فسدت أمتي، قيل: يا رسول الله ومن هم؟ قال: الفقهاء والامراء»[6]، هذه الخصوصية ايها الاحبة تدفعنا للبحث عن ذلك العالم الذي يسير في المجتمع حاملا لطبه يتنقل بين الناس، ليضعه في مواطنه بعد التشخيص والتمييز والفرز.

اهمية وجود العالم في زمن الغيبة

بالنسبة الى أهمية وجود العالم في زمن الغيبة اهل البيت عليهم السلام أيضاً اخذوا بأيدينا ووضعونا على الجادة من خلال ما املوه عليهم الصلاة والسلام من انوار علمهم، حيث روي عن الامام الكاظم من آل محمد عليهم السلام أنه قال: «فقيه واحد يتفقد يتيما من أيتامنا المنقطعين عن مشاهدتنا والتعلم من علومنا، أشد على إبليس من ألف عابد»[7] واليتيم في مصطلحات مدرسة اهل البيت ليس هو ذلك الانسان الفقير الذي فقد أما وأب او فيما بينهما وانما الذي لا يقف على حدود الشريعة ولا يستوضح الاحكام الشرعية التي على اساس منها يعبد طريقا سالكا ليوم القيامة، فالإمام (ع) يقول: فقيهٌ واحدٌ يتفقد يتيما من ايتامنا المنقطعين عن مشاهدتنا، يعني في زمن الغيبة (هذه الفترة التي نحن ومن يأتي بعدنا ومن تقدمنا فيها) عن مشاهدتنا والتعلّم من علومنا، يعني لا هو ممن يحظى بحظوة النظر الى المعصوم (ع) كما وفق من عاش في عهدهم، ولا هو ممن يستطيع ان يصل الى حقيقة الحكم الذي ينبغي ان يمتثله، فهؤلاء اشد على ابليس من الف عابد، يعني عالم واحد ينير الطريق، يبيّن الاحكام، يوضّح المسائل، اشد على ابليس من الف عابد، قوّام الليل، صوام النهار، لذلك من هنا يتكشف الحال عن صعوبة تلك المسؤولية التي يحاول الكثير من علماء الدين ـ ايد الله الموجودين ورحم الله الماضين منهم ـ ان يضع الشيء في مواضعه، طبعا العصمة لأهلها لا يدعي احدٌ من العلماء من الماضين والحاضرين والآتين العصمة لنفسه مهما كان، ولذلك مراجعنا ايدهم الله يذيلون الفتوى عندما يضعون مهرهم عليها بكلمة «والله اعلم»، يعني هذا حكم ظاهري انتهى اليه البحث والدليل، لكن حقيقة الحكم، تبقى عند الله سبحانه وتعالى، غايته انا خرجت من عهدة التكليف، المرجع المتصدي للفتيا ايضا خرج من عهدة التكليف، فإذن المهمة صعبة وان كانت الكرامة كبيرة وعظيمة كما اثبت النص الشريف: «يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين كما ينفى الكير خبث الحديد»[8]

ميزات العلماء العاملين

أ. العدالة

هنا سؤال يطرح نفسه وهو أن هؤلاء العلماء الذين يصفهم النص بالعدول من هم؟ هل هو من تشكل في لباسه اكثر من عبادته تقدم لمسافات طويلة في آراءه وبحوثه هو هذا عالم عادل؟ او لا العدالة شيء آخر ثم فوق العدالة ثمة شيء، او لا يوجد فوق العدالة شيء؟ ما نقرأه في رسائل البعض وكما ورد ايضا في النصوص عليهم الصلاة والسلام ان الورع سقف فوق سقف العدالة، مشهور العلماء وقفوا عند الاول فيقول الامام الصادق (ع) كما عن جده رسول الله (ص) يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، يعني البعض الذي ان لم تعجبه الآية أو الرواية في سياقها يبدأ يتاولها بأشياء بعيدة لم ينزل الله بها من سلطان، ولو اراد الله ذلك المعنى البعيد لأشار اليه ولنصب قرينة موضحة له، كذلك الحال بالنسبة لروايات اهل البيت عليهم السلام، لان كلامهم نور، والنور طبيعته ان يكشف الظلم، لا أن يحدث الظلمة، بناءا على ذلك هذه التمحلات لمجموعة من منطوق الروايات تدخلنا في حالة من البعد من حالة النورانية التي هي صفة او اندراج تحت ملاك العدالة.

ب. الذين ينفون عن الدين تأويل المبطلين

فالرواية تقول يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، يعني هناك طبقة ربما اتصفت بالعلم لكنها توجه السياقات الاصيلة للدين والثوابت للكتاب والسنة لإبطال ما هو عليه الهدف ان تصل الامة اليه مع شديد الاسف، وهذا موجود من زمن الائمة وممتد للغيبة الصغرى والكبرى ونحن اليوم في المصيبة العظمى. وتحريف الغالين يرتفعون في عقائدهم على حساب ما ثبتته الشريعة وما جاء على لسان محمد وآل محمد (ص) من المقامات المودعة والكاشفة عنها والنصوص الصادرة عنهم، هم رتبوا انفسهم في المراتب التي رتبهم الله فيها فليس من حق البشر ان يتجاوز ما رتب الله صفوة عباده فيه من المقامات، فمقام محمد لمحمد ومقام علي لعلي ومقام فاطمة لفاطمة ثم تأتي الكوكبة النورانية من الحسن الى الحسين ثم المعصومين من ذريته الى خاتمهم النور الاكبر الاقدس محمد المهدي بن الحسن العسكري (ع).

ج. الذين ينفون عن الدين انتحال الجاهلين

الجهة الثالثة وهي خطيرة جدا وهي انتحال الجاهلين، الجاهل عندما يريد ان يتصف بصفة العلم هذه مصيبة وكارثة وطامة كبرى؛ اولا العلم ما هو؟ حقيقته ما هي؟ بعنوانه العام ما عرفت انت عالم فيه، ما غاب عنك فانت جاهل به، اذن النسبة فيه ليست نسبة تركيبية انما نسبة قوة وضعف، فهي تشتد عند فلان من الناس وتضعف عند فلان الآخر، قوتها عند الاول لا تنفي العلم عن الثاني، العلم عند الاول يشخص لان يكون في مرتبة الاول، الاول وصل الى ما وصل اليه وفق المقدمات المرتبة بين الاعلام، الثاني يريد ان يصل دون ان يرتب هذه القواعد ويسير وفق معطياتها، أسوء حال منه ذلك الانسان الذي اصلا ليس لديه علم، هو يوهم نفسه، يعني يعيش حالة من الجهل المركب، جاهل ويجهل انه جاهل، هذا الطامة الكبرى التي جعلت المجتمعات تعيش حالة من الضياع والشتات والحيرة كما في النص الشريف، اليوم وبحمد الله نحن في هذا الجامع وفي غيره من الجوامع الذي يكتظ بالمصلين ومن خيرة شبابنا الذين نعتز بهم، وهذا الشيء لم يكن له وجود قبل اربعين عام، وانما كان فقط مجموعة من الشيبة رحم الله من مضى وحفظ الله من بقي منهم يزينون المكان، ولم تكن تطرح مسائل شرعية ولا كلمات توجيهية ولا خدمات اجتماعية عشتوها ورأيتموها، ليس فقط هنا بل كل البلدان كانت بهذه المثابة، اليوم الله انعم علينا برجال دين كلٌ يقوم وفق البضاعة او ما يتناسب والبضاعة التي يحملها، وفي منتهى التفاني، يذيبون انفسهم كالشموع من اجل اضاءة الطريق لمجتمعاتهم، هؤلاء من الجميل ان يكافأ كل واحد منهم بالحسن وكل انسان عاقل حكيم رشيد يقول بالحسن، لان الاحسان يستعبد الانسان، فمادام هنالك احسان من هؤلاء يفترض ان يقدم الانسان الشكر لهم بما يتوافق وما يقومون به، فهذا العالم في تعريفات مدرسة اهل البيت هو المجتهد كعنوان ضيق، البقية يستظلون بظله، يهتدون وفق ما يعطي ويفيض عليهم من علومه

الفرق بين الفقيه والمجتهد

هذا المجتهد نعود ونسأل من هو؟ هل هو الفقيه؟ الفقيه من هو؟ هو المستفرغ وسعه لتحصيل الوثوق بحكم شرعي يصل ليله بنهاره، مستغرق كل الوقت في سبيل تنقيح مفاد آية، او معطى رواية، يعرض آراء القوم من السابقين والمعاصرين له، ثم يغربلها ويستخلص منها جهود مضنية، اصل الاجتهاد ربما يكون يصل اليه الكثير من الناس ولا محذور كلهم فيه شرع سواء، من حقي وحقك وحق الآخر ان ينهج هذا الطريق ويصل الى الاجتهاد، الاصعب من ذلك هو اعمال هذه الملكة، من هنا المسؤولية الملقاة على عواتق مراجعنا صعبة وخطيرة جدا جدا، لذلك ينبغي ان يشكروا على ما يقومون به من جهد، فالفقيه هو المستفرغ وسعه لتحصيل الوثوق بحكم شرعي ومن شروطه البلوغ، ان يكون بالغا والعقل يختلف عن العلم، ممكن أن يكون الانسان مجتهد وعالما لكن غير عاقل، ومعنى انه غير عاقل يعني لا يضع الشيء في موضعه، يعطي الفتوى لكن غير موجهة البوصلة للجهة التي ينبغي ان تتجه اليها، اصدار الفتوى سهلٌ، لكن الفتوى‌ لابد ان تكون موجهة في المسار الصحيح، طبعا بعد الجهد والعمل، فهذه هي التي تحتاج الى عقل، لذلك بعض المراجع يعرض عن الفتوى، لا لانه لم يصل الى الحكم ولكن بعقله يشخص ان ما كل ما يُعلم يقال ولا كل ما قيل يُعلم، لذلك تشعبت القراءات لمواقف المراجع من الماضين والمعاصرين والجميع ان شاء الله الى خير وقد تثبت له، أي لهذا الفقيه الملكة التي يستطيع بها استنباط الحكم من مآخذه الاربعة الرئيسية وهي: الكتاب والسنة والاجماع والعقل، البعض يتصور بان الأمر سهل، الأمر ليس بالسهل نهائيا، ولكن غير متعذر، يعني غير ما يتصور البعض من انها لا يمكن الوصول اليها، بدليل ان عشرات الآلاف من علماءنا الماضين قد وصلوا وكمٌ ليس بالقليل من المعاصرين ايضا وصلوا، اذن هي متاحة وممكنة لكن اذا ما تهيأت اسبابها، أي هذه الملكة.

بعض آليات الفقيه

كيف يكون طالب العلم فقيه؟ انا سواء كنت صغير او كبير عندما أدخل الى الحوزة لابد ان يكون لدي خطة، اريد أن اصل الى الهدف، ما هو هدفي؟ هل أريد أن أكون خطيب أم مؤلف أم مفسر أم فقيه؟ ما هو الهدف؟ واعلى ما في الهرم هو الفقاهة يعني الاجتهاد، أي البحث واعمال ملكات بعد الوصول، أنا اريد أن اصبح فقيها لكن كيف اصبح فقيه؟ كما قلنا حتى الانسان الذي انهى شطرا من حياته ووقف على مسمى موظف أو طبيب او مهندس او... يمكنه حتى من اليوم ان يباشر العمل وان يصل الى‌ مقام الفقاهة، كما وصل الكثير أمثال المقدس الاردبيلي رحمه الله أو غيره، على كل حال:

1. ان يكون عالماً باللغة العربية

اولا ان يكون عالما بلسان العرب ليتسنى له معرفة ما جاء في الكتاب والسنة، قلنا ان يكون عالما بلسان العرب وليس المقصود هو أن يكون بالضرورة عربيا ولكن ان يكون مطلعا على هذه الآلية المهمة في استنطاق النص الشرعي وبالعلوم الكثيرة المنطوية تحت عنوان اللغة مثل النحو والبلاغة والتعبير والاملاء و... الى ستة عشر فن من الفنون، لابد أن يقف على خصائصها اذا ما أراد أن يستنطق القرآن والسنة واقوال العلماء.

2. ان يكون على علم كاف بموارد الاجماع عند الاصحاب

هناك مجموعة من المسائل نص الاصحاب على حكم واحد فيها واختلفوا في موارد ثانية، عليه ان يكون لديه قدرة في التدبر والوصول الى الفرز، اليوم قد تكون الامور سهلة بسبب التقنية الموجودة في يد الناس، لكن العلماء السابقين كانوا يبحثون عن رأي بين عشرات الآلاف من معطيات فتوى المراجع وقتها من قرن الى قرن قبله ليخلص او يتخلص من دائرة ضغط الاجماع عليه، هذه مهمة ليست بسهلة وليست باليسيرة ان يكون عالما في اصول الفقه ومجرياته واليوم اصول الفقه توسع بشكل كبير في داخل الحوزة العلمية، بخلاف ما كان عليه سابقا حيث كان عبارة عن كتيب دون مائتين صفحة! اليوم توجد دورات في هذا العلم تصل الى أكثر من عشرين مجلد لاكثر من فقيه وفقيه، هذه ايضا تحتاج الى غربلة وموازنة وعلم الاصول هو نظريات وليس سرد نقلي فهذا يحتاج الى ملكة ايضا في الفرز بين الآراء المتناقضة والمتنافرة والمجتمعة ليخلص الى حكم مبني على اساس قوي.

3. أن يكون واقفاً على آراء المعطيات العلمية من حوله

ايضا ان يكون واقفا على ما انتهت اليه آراء المعطيات العلمية من حوله، نعلم نحن اليوم ان في النجف الاشرف مدرسة لها خصائصها ومكونها، وفي مدينة قم المقدسة أيضا مدرسة لها مكوناتها وخصائصها في كافة العلوم، هناك نقاط قوة واضحة شاخصة بينّة في مدرسة النجف، نفس الامر بالنسبة لمدرسة قم، لذلك من يوفق للجمع بين معطى المدرستين حتما سوف يصل الى حالة من التميز غير موجودة فيمن ينفرد باحداهما.

4. أن يكون عالما بثقافة العصر وأن لا يعيش في دائرة ضيقة

ايضا من الامور الموجودة ان يكون عالما بثقافة العصر ولا يكون اجنبيا عن مجتمعه ولا يعيشه، اليوم الحيات تجري بسرعة والعلم يتشعب والشباب يتطور والمجتمعات في حالة من السباق الواضح البين، فلابد ان يكون الفقيه ملتفت للمحيط من حوله، غير مفصول عن الاتصال بالمجتمع، لانه متى ما قتل وحي ضمرت الفتوى عينا كالاسر التي لا تقبل ان تزوج وتأخذ وتعطي الا من اهلها، لكن بعد فترة من الزمن تضمر هذه الاسر، بل تغيب، هنالك اسر كان لها في يوم من الايام شأن عظيم وحضوة من حيث العدد، يعني مادة ومعنى، لكن اليوم لا عين لها ولا اثر انتهت تماماً، الشيخ احمد الاحسائي رحمه الله تعالى هو علم على رأسه نار، لكن اين العائلة؟ كذلك الفتوى، اذا اسرنا الفقيه ضمن دائرة ضيقة تضمر الفتوى، تضعف الفتوى فلابد ان يكون ممن يعيش العصر من حوله ليفقه ما يجري وتكون الفتوى في موقع متقدم عما كانت عليه ولا تكون مكررة مما نسجه الاوائل.

فضل العلماء في وسط الأمة

وصية من الله سبحانه وتعالى لنبي الله عيسى (ع) بخصوص العلماء الذين اختارهم الله ليذبوا عن الدين يقول الله سبحانه وتعالى كما ورد في الحديث القدسي لعيسى (ع) وهو يصف العلماء: «عظم العلماء واعرف فضلهم. فإني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين، كفضل الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كل شيء»[9]

عظم العلماء وأعرف فضلهم؛ نحن اليوم لنرى كيف استجابتنا لهذا النداء، هل نحن في تعظيم العلماء او تحطيم العلماء، هل الاعتزاز برجال دين قريتنا، ام اسقاط رجال دين قريتنا ومدينتنا ومجتمعنا ومحيطنا وأمتنا؟! كيف وضعنا اليوم في وسط شبكات التواصل الاجتماعي والمجالس والتكايا والاستراحات هل هو تعظيم او تحطيم؟ علينا ان نكون صريحين ولا ينبغي أن نخجل، في الزمن الاول عندما كان يأتي عالم الدين حتى اذا كان في بدايات تحصيله كان يحظى بالحظوة الكبرى، اليوم صارت الموازين تجري على العكس ونحن ننسى، حتى أن النساء تم زجهن في هذه الطاحونة وفي هذا الحال من الدوران الغير محمود العواقب، لاننا سوف نغرس ذلك في الجيل القادم والوارد والناهض.

فإني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين؛ قد يأتي شخص ويعترض ويقول لماذا تحترمون رجل الدين؟ أليس حاله حال الآخرين؟ نقول له الله سبحانه وتعالى أوصى نبي من انبياء اولو العزم في تعظيمهم وجعل الحظوة لهم، هذا لم يقله رجل الدين وانما الله يوصي باحترامهم، ورد في الحديث الشريف ان «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»[10] فاذا كان العلماء كانبياء بني اسرائيل ألا ينبغي ان يعظموا؟! لنرى نحن وضعنا كيف هو اليوم، هل ان كاف التشبيه تعمل معنا ام معطلة في الصلاحية والعمل الفضل ما هو النسبة والتناسب الحديث القدسي يقول:

كفضل الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كل شيء؛ هذا حديث قدسي نحن هل نستجيب للسماء ام لا نستجيب؟ هل نستجيب للنبوة او لا نستجيب؟ هل نستجيب لكلام اهل البيت او لا نستجيب؟

دعائم رشد المجتمع وتطوره

هذه الامور تحتاج الى اربع دعائم:

الأمر الأول هو الإيمان الراسخ؛ فلكي نصل الى الهدف لابد أن يكون هناك ايمان راسخ من اجل ضمان اتجاه البوصلة ولا تلعب بنا يمين ويسار، انا اليوم على قضية يأتيني شيخ فلان أو حاج فلان أو شاب فلان ويتكلم معي كلمتين واذا انا أتحول من الضفة الشرقية الى الضفة الغربية، اخرج من هذه الحسينية وأذهب الى الحسينية الثانية واسمع الشيخ الفلاني يتكلم بكلام واذا بي اعيش حالة من التارجح، أرى نفسي في حالة متلاطمة، يعني غير مستقر التفكير، غير ساكن في ايمانه، لا يعيش حالة من الاطمئنان، فالايمان أمر مهم تثبيت الايمان داخل وجدان الانسان هو الذي يؤمن للانسان السكينة والاطمئنان.

الامر الثاني العلم؛ لا يعني أن اصبح مجتهد وعالماً، لكن اكون على درجة من المعرفة، لا ينبغي أن اقاد كما يقاد الجمل المخشوش وانما لابد ان اتبصر الطريق، انا اهتدي لمسيري وللهدف الذي ارغب فيه، لابد أن اكون مسؤول عن نفسي، لذلك لا ينبغي ان أسلم عقلي لأي كان سوى الامام المعصوم (ع) الذي بيده العصمة وعندما يظهر الامام المهدي (ع) وينادي نداء الحق، حينها اسلّم عقلي للمهدي (ع) وأما دون ذلك علي ان اتحكم في عقلي وفق الضوابط التي بنا عليها العقلاء.

الامر الثالث العقل؛ والعقل أيضا لا يعني أن اكون انساناً عالماً، انا ايضا كانسان بسيط مكلف على ان اكون عاقلا، عاقل في كل شيء، اليوم دورة الزمن من جهة سريعة الاوراق مربوكة، فلابد انا أيضا أن أكون احكم عليه، لا يصح ان ارى فلان ذهب الى هذا الاتجاه أنا أذهب معه أيضا وهذا المعنى ليس فقط في امور الدين حتى في امور الدنيا، مثلا فلان من الناس قام في عرس ابنه بواحد اثنين ثلاثة اربعة ... انا أيضا لابد أن أقوم بواحد اثنين ثلاثة اربعة وخمسه! وأقول فلان ليس باحسن مني! الآخر قد تكون عنده مقومات جعلته يقوم باربعة، انت قد تكون مقوماتك تسمح بالقيام باثنين مثلا! لماذا تنسب نفسك مع شخص كل المقومات وكل القدرات في يده؟! ولماذا أنت تسلب ابنك الحرية!؟ أو فلان يشتري سيارة فتأتي وتقول لابد أن اشتري سيارة أحسن من سيارة صاحبي، لاننا نعمل سوية وراتبي نفس راتبه، لماذا هو يشتري وأنا لا أشتري هذه السيارة!؟ فهذا من الجهل و ليس من الوعي، الجهل في المرحلة وانها لها خصوصية وينبغي ان يتعامل معها وفق معطياتها، أو يؤنب أبنه ويقول له ان ابن الجيران أحسن منك وأنت لا تفهم! أنت عليك أن تفهم بان أبنك هذه قدرته وهذه امكانيته، أو يقول لأبنه لماذا فلان يختار الطب أو الهندسة وأنت لا تختار ذلك! لانك انت لم تكن معه منذ البداية وناسيه طوال هذه السنين وعندما وصل الى الثالث الثانوي وكمل وتهيأ للدخول الى الجامعة بدأت تقرر مصيره! فالآن ليس من حقك أن تقوم بذلك، قد يكون عندي ابن والظاهر منه أنه ذكي ومتابع لكن هناك خاصية الرغبة شيء مهم ووجداني لابد ان تكون عنده، فاذن العقل شيء مهم جدا.

الرابع التعاون بين ابناء المجتمع الواحد؛ هل نحن اليوم في حالة من التعاون فيما بيننا؟ انا اليوم عندما ارى شخص يغرق هل امد له يد العون لانتشاله أم أقول له انا والزمن عليك! من الجميل ان يكون الانسان صريح مع نفسه وان جلد نفسه، لانه سوف يصحح في المستقبل، اما اذا كان يغالط ويكابر ويدعي بأن الامور طيبة، فسوف لا يصل الى نتيجة.

الانفتاح على الآخرين وعدم الغائهم

من هنا ايها الاحبة لنسال من أنفسنا: هل نحن نعيش الانفتاح على المحيط من حولنا؟ انا واحد من افراد هذه البلدة واعتبر نفسي منها واليها أقول رغم انها تقدمت في كل الميادين العلمية والاقتصادية والثقافية والدينية الا انها لم تفك الأسر عن نفسها، لم تمد اذرعها في كل الاتجاهات وأنا كنت اتحدث مع بعض الاخوة الاحبة وقلت لهم معاتبا: الى متى هذا الوضع؟ لماذا نحن مغلقين على أنفسنا؟ لماذا غيرنا ينفتح يميناً ويساراً ويسجلون حضور في المشاهد العامة ونحن غائبين؟ هل نحن ناقصين؟ كلا وحاشا، وغيرنا ليس احسن منا وعندنا استعداد غاية ما في الامر لابد ان يفعّل لنسجل حضور، لذلك انا اهمس في اذن شبابنا الطيب لابد ان نعد هذا الجيل كما ينبغي لينهض بالمسؤولية، ليمد اذرعه يمينا ويسارا وان نسجل حضورا في المناسبات العامة والخاصة قدر الامكان، يقام مجلس وفي مسافة قريبة من عندنا عليّ ان لا اعتذر واقول انا مشغول، أو يدعوني الحاج الفلاني في دعوى وفي مكان اعتذر واقول أنا مشغول! قالوا لشخص متى انت غير مشغول؟ قال عندما يضعوني في القبر! في حين أن القبر هو اول الانشغال، منكر ونكير و... وكما يقال:

ولو أنا إذا متنا تُركنا *** لكانَ المَوْتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ

ولكنا إذا متنا بُعثنا *** ونُسأل بعد ذا عن كل شيء

يعني نسأل عن كل شيء: لماذا ذهبت الى المكان الفلان ولماذا ذهبت مع فلان ولماذا تركت العمرة و... والشيء الذي يبقى هو: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾[11]، كذلك مع القرى البعيدة عنا قليلا لابد ايضا أن يكون حضور ملفت، ان يكون مكون القرية واضح الحضور وخصوصا اللائمة تقع على رجال الدين، لان بيني وبينهم اخوه ومحبة، اقول اين رجل الدين من القرية؟ لابد وان يكون له حضور، لان حضوره يختلف عن حضور سائر الناس، لانه عندما يحضر سيسأل عنه الناس ويتعرف عليه الحضور والقرية ستسافر الى مسافات بعيدة ولم تبقى محصورة ضمن اطار ضيق، اليوم لا يمكنك أن تلغي أي مكون وكذلك لا يستطيع احد ان يلغيك كمكوّن انت حقيقة والآخر حقيقة، اذن لابد ان نبني جسور، لاننا لا نستغني عن احد ولا يمكن لاحد ان يستغني عنا، فلذلك لابد من مد الجسور لتقضى كثير من الحوائج وتتاح كثير من الامور وتذلل كثير من العقبات وتسهل كثير من الامور، اما اذا انا ليس عندي علاقة مع احد ولا اريد ان ابني علاقة مع احد حينها سوف لا يكون هناك شخص يدخل في قضيتي، وهذا ليس صحيحا والانسان خصيم نفسه وهذا الامر ايها الاحبة بالنسبة لرجال الدين الزم. همسة اخيرة واختم بها؛ المرأة اليوم رجعت تستعيد مكانتها في وسط الامة وفق الخطط المطروحة ونحن مجتمع من امة، هل اعددنا المرأة كما ينبغي حتى تلعب دورها كما ينبغي؟ او ما ذكرناه قبل قليل في حق الرجال سوف يكون منطبق على النساء ايضا.

نسال من الله سبحانه وتعالى ان يفتح علينا وعليكم ابواب العلم والمعرفة وان يأخذ بايدينا الى ما فيه الخير والصلاح، وان يحفظ هذا البلد الطيب باهله وان يجعلنا في بلادنا سالمين آمنين مطمئنين، وان يسهل لنا قصد ائمتنا المعصومين عليهم السلام، وأن يرحم موتانا ممن مضى منهم على ولاية امير المؤمنين (ع)، ان يجعلنا واياكم من المتمسكين بولاية علي (ع) وممن يكون محلا لاشراقة وجه الخلف الباقي من آل محمد ليكمل ويرشد. وفقنا الله واياكم لكل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

[1] . طه: 25ـ28.[2] . كمال الدين وتمام النعمة، للشيخ الصدوق، ج ١ ص ٣١٥؛ ينابيع المودة لذوي القربى، القندوزي، ج ٣، ص ٣٨٦.[3] . الاحتجاج، للشيخ الطبرسي، ج ١ ص ٧.[4] . البقرة: 282.[5] . قرة العيون للفيض الكاشاني، ص ٤٣٨.[6] . تحف العقول، لابن شعبة الحراني، ص ٥٠.[7] . عوائد الأيام،للمحقق النراقي، ص ٥٣٣.[8] . بحار الأنوار،للعلامة المجلسي، ج ٢، ص ٩٣.[9] . منية المريد،للشهيد الثاني، ص ١٢١.[10] . عوالي اللآلي، ج ٤، ص ٧٧ ـ ٦٧.[11] . الكهف: 46.
تعليقات الزوار